أحمد بن محمود السيواسي

259

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

لهم ، قوله ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ 42 ] في تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشيء ، لأنه جماد لا علم له ولا قدرة أصلا وتركوا عبادة العالم القادر القاهر على كل شيء ، « الْحَكِيمُ » الذي لا يفعل شيئا إلا بحكمة وتدبير . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 43 ] وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ ( 43 ) ( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها ) أي نبينها ( لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها ) أي ما يفهم فائدة ضربها ( إِلَّا الْعالِمُونَ ) [ 43 ] باللّه والعاملون بطاعته وهو نفي قول السفهاء من قريش « أن محمدا يضرب المثل بالذباب والعنكبوت » ويضحكون من ذلك . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 44 ] خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) ثم بين أنه ما خلق شيئا باطلا بقوله ( خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) وما بينهما ( بِالْحَقِّ ) أي بالغرض الصحيح الذي هو الحق لا الباطل وهو كونهما مساكن عباده ودلائل على وحدانيته وعظم قدرته ، فلذا قال بعده ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ 44 ] أي لعبرة لهم لأنهم ينتفعون بها . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 45 ] اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) ( اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) أي القرآن واعمل بما فيه ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ ) أي أتمها في مواقتيها ( إِنَّ الصَّلاةَ ) المعروفة وهي الصلاة التي تصلي بالخشوع والتقوى بعد التوبة النصوح ( تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) وهما ما لا يجوز شرعا من الكبائر والصغائر ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا » « 1 » ، وروي عن الحسن أنه قال لرجل : « إذا لم تنه صلاتك عن الفحشاء فلست بمصل » « 2 » ، وقيل : يا رسول اللّه إن فلانا يصلي بالليل كله فإذا أصبح سرق ، فقال « ستنهاه صلاته فانتهى » « 3 » ، وقيل : المعنى إن الصلاة إذا صليت صادرة عمن يراعيها كما ينبغي نهته عن المنكر ، وهذا اللفظ ليس بعام بل المراد منه أن هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء العموم ، أي لا بد أن يكون مراعي الصلاة أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها « 4 » ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ ) إياكم بالرحمة ( أَكْبَرُ ) من ذكركم إياه بالطاعة . يل : « ذكر اللّه أشد نهيا عن الفحشاء والمنكر إذا دوام عليه من نهي الصلاة » « 5 » أو القرآن عنهما « 6 » ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : وما ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : ذكر اللّه » « 7 » ، وقيل : المراد أن تذكر اللّه تعالى ناظرا إلى جلالته وعظمته وقدرته وتنزيهه عن كل شيء سواه « 8 » ، وقيل : المراد بذكر اللّه الصلاة ، ووصفها بالكبر ليستقل بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر من كل عمل لأنها ذكر اللّه « 9 » ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ) [ 45 ] من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 46 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) ( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ ) أي الذين « 10 » لم ينصبوا الحرب ( إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي الخصلة الحسنى كمقابلة

--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ، 6 / 290 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 539 ؛ والبغوي ، 4 / 377 . ( 2 ) انظر السمرقندي ، 2 / 539 . ( 3 ) ذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ، 6 / 290 ، 291 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 249 . ( 4 ) هذا المعنى مأخوذ عن الكشاف ، 4 / 249 . ( 5 ) ذكر ابن عون نحوه ، انظر البغوي ، 4 / 377 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 4 / 377 . ( 7 ) رواه مالك ، القرآن ، 24 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 378 . ( 8 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 9 ) لعل المفسر اختصره من الكشاف ، 4 / 249 . ( 10 ) الذين ، وي : الذي ، ح .